أهلي أونلاين

ألعاب البحر الأبيض المتوسط.. من شاطئ الإسكندرية إلى أضواء تارانتو 2026

السبت 1 أغسطس 2026 03:44 مـ 16 صفر 1448 هـ
ألعاب البحر الأبيض المتوسط.. من شاطئ الإسكندرية إلى أضواء تارانتو 2026

 

سبعة عقود من الحكاية.. رياضة تجمع القارات الثلاث على ضفاف المتوسط

صفوان الهندي

منذ أن انطلقت شرارتها الأولى من مدينة الإسكندرية المصرية عام 1951، لم تكن دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط مجرد منافسات رياضية عابرة، بل تحولت إلى قصة طويلة من التنافس والشراكة والتقارب بين شعوب ثلاث قارات.
واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود على ولادتها، تستعد هذه الدورة العريقة لكتابة فصل جديد من تاريخها في مدينة تارانتو الإيطالية، التي تفتح أبوابها خلال الفترة من 21 آب ولغاية 3 أيلول 2026 لاستضافة النسخة العشرين من أحد أهم الأحداث الرياضية متعددة الألعاب في العالم.
وتحظى ألعاب البحر الأبيض المتوسط بمكانة خاصة في خارطة الرياضة الدولية، فهي تأتي في مقدمة البطولات متعددة الألعاب بعد الألعاب الأولمبية والبطولات العالمية والقارية، لما تضمه من نخبة الرياضيين وأبطال العالم والأبطال الأولمبيين في مختلف الاختصاصات.

ملتقى الأبطال بين أوروبا وآسيا وأفريقيا
تجمع نسخة تارانتو 2026 رياضيين من 26 دولة تمثل القارات الثلاث المطلة على البحر الأبيض المتوسط: أوروبا وآسيا وأفريقيا، للتنافس في أكثر من ثلاثين لعبة رياضية، وفق الأنظمة والقواعد الأولمبية الدولية، وتحت إشراف اللجنة الدولية لألعاب البحر الأبيض المتوسط المعترف بها من اللجنة الأولمبية الدولية.
ولا تكمن أهمية الدورة في عدد الدول المشاركة فقط، بل في المستوى الفني المرتفع الذي تشهده منافساتها، إذ أصبحت على مدار السنوات محطة مهمة لاختبار جاهزية الرياضيين قبل الألعاب الأولمبية والبطولات الكبرى، ومجالاً لاكتشاف المواهب الجديدة وصناعة الأبطال.
وكانت مدينة وهران الجزائرية قد احتضنت النسخة التاسعة عشرة عام 2022، في دورة شهدت منافسات قوية وحضوراً جماهيرياً مميزاً، قبل أن تنتقل الراية إلى تارانتو التي تستعد لتقديم نسخة تجمع بين التطور التنظيمي والإرث التاريخي.

حلم بدأ من أجل السلام
لم تولد فكرة ألعاب البحر الأبيض المتوسط من أجل المنافسة فقط، بل حملت منذ البداية رسالة إنسانية تتجاوز حدود الرياضة.
ففي عام 1948، وخلال دورة الألعاب الأولمبية في لندن، طرح المصري محمد طاهر باشا، رئيس اللجنة الأولمبية المصرية ونائب رئيس اللجنة الأولمبية الدولية آنذاك، فكرة إقامة دورة رياضية تجمع دول البحر الأبيض المتوسط، انطلاقاً من إيمانه بأنّ الرياضة يمكن أن تكون جسراً للسلام والتفاهم بين الشعوب بعد سنوات الحرب العالمية الثانية.
وحظيت الفكرة بدعم اليوناني إيوانيس كيتسياس، عضو اللجنة الأولمبية الدولية، لتبدأ بعدها رحلة التحضير التي قادت إلى إقامة النسخة الأولى في مدينة الإسكندرية عام 1951، معلنة ولادة واحدة من أبرز الدورات الرياضية في العالم.
وبدأت المشاركة في الدورات الأولى مقتصرة على الرجال، قبل أن تدخل الرياضة النسائية إلى المنافسات اعتباراً من دورة تونس عام 1967، فيما حافظت الدورة على مبدأ التوازن بين دول شمال وجنوب المتوسط في اختيار المدن المستضيفة.
وتعد إيطاليا أكثر الدول احتضاناً للألعاب، إذ تصبح تارانتو 2026 الدورة الرابعة التي تستضيفها الأراضي الإيطالية، بعد نابولي عام 1963، وباري عام 1997، وبيسكارا عام 2009.

اللجنة الدولية... ذاكرة التنظيم والاستمرارية
مع نمو البطولة واتساع حضورها، ظهرت الحاجة إلى مؤسسة دولية تشرف على مسيرتها، ليقترح رئيس اللجنة الأولمبية اللبنانية آنذاك غبرييل الجميّل خلال دورة بيروت عام 1959 تأسيس لجنة دولية خاصة بالألعاب.
وفي 16 حزيران عام 1961، أعلنت ولادة اللجنة الدولية لألعاب البحر الأبيض المتوسط كمؤسسة رياضية دولية مستقلة غير حكومية وغير ربحية، مقرها العاصمة اليونانية أثينا، وتضم ممثلي اللجان الأولمبية الوطنية وأعضاء اللجنة الأولمبية الدولية في دول المتوسط.
وتقام الألعاب تحت رعاية اللجنة الأولمبية الدولية، وتعتمد في أنظمتها ولوائحها على المبادئ الأولمبية المعتمدة عالمياً.
وتعاقب على رئاسة اللجنة عدد من الشخصيات الرياضية البارزة، من اللبناني غبرييل الجميّل إلى التونسي محمد مزالي، فالفرنسي كلود كولار، والجزائري عمار عدادي.
كما كان للرياضة السورية حضورها الإداري المميز من خلال السيد محمد سميح مدلل، الذي شغل منصب النائب الثاني لرئيس اللجنة الدولية منذ عام 1983، ثم النائب الأول للرئيس بين عامي 1987 و2003، قبل أن يواصل عضويته فيها بصفته عضواً في اللجنة الأولمبية الدولية كما شغلت السيدة نور الهدى قرفول عضوية اللجنة التنفيذية لألعاب المتوسط.

سورية.. قصة حضور لا تغيب
ارتبط اسم سورية بتاريخ ألعاب البحر الأبيض المتوسط منذ بداياتها، فقد شكلت هذه الدورة واحدة من أهم المحطات الخارجية للرياضة السورية، ورسخت حضورها ضمن الأسرة الرياضية المتوسطية.
وشاركت سورية في معظم نسخ الدورة، وكان الغياب الوحيد عن دورة تونس عام 1967، عندما اعتذرت، إلى جانب جمهورية مصر العربية، عن المشاركة بسبب العدوان الإسرائيلي وحرب حزيران في ذلك العام.
وسجلت الرياضة السورية حضوراً تاريخياً في دورة بيروت عام 1959، عندما شاركت ضمن وفد الجمهورية العربية المتحدة خلال فترة الوحدة السورية المصرية، لتبقى تلك المشاركة جزءاً من الذاكرة الرياضية الوطنية.
وعلى مدار مشاركاتها، قدّمت سورية أبطالاً تركوا بصمتهم في ألعاب القوة ورفع الأثقال والمصارعة والملاكمة والفنون القتالية وغيرها، وأسهموا في تعزيز حضور الرياضة السورية في واحدة من أقوى الدورات الرياضية الدولية.
ومع اقتراب موعد تارانتو 2026، تتجدد الآمال السورية بمشاركة تليق بتاريخ الرياضة الوطنية، وبظهور مشرف لأبطال سورية في مختلف المنافسات.

تارانتو... مدينة التاريخ تستقبل المستقبل
تكتب تارانتو صفحة جديدة في سجل ألعاب البحر الأبيض المتوسط، بعدما أصبحت أول مدينة في إقليم بوليا الإيطالي تستضيف هذا الحدث، ورابع مدينة إيطالية تحتضنه بعد نابولي وباري وبيسكارا.
وتحمل الدورة شعار "لنحتضن المستقبل"، في رسالة تجمع بين عراقة الماضي وطموحات الغد، فيما يقام حفل الافتتاح في 21 آب على ملعب "إراسمو ياكوفوني" بعد إعادة تأهيله بما يتناسب مع الحدث.
وتحمل نسخة 2026 نكهة خاصة بإدخال رياضة البادل للمرة الأولى ضمن البرنامج الرسمي، إلى جانب توزيع المنافسات على أكثر من عشرين منشأة ومدينة في إقليم بوليا.
ولن تكون الملاعب وحدها مسرحاً للألعاب، إذ تتحول معالم تارانتو الطبيعية والتاريخية إلى فضاءات رياضية مفتوحة، فتستضيف بحيرة "مار بيكولو" منافسات الكانو والكاياك والتجديف، فيما تحتضن الواجهة البحرية سباقات الدراجات والترياتلون، وتقام مباريات كرة السلة (3×3) في حدائق بيريباتو.
واستوحت اللجنة المنظمة تصميم الميداليات الرسمية من كنوز "ذهب تارانتو" الأثرية الموجودة في المتحف الوطني للمدينة، في تأكيد على العلاقة بين التاريخ والرياضة.
ومع اكتمال التحضيرات ونفاد تذاكر حفل الافتتاح قبل عشرين يوماً من انطلاق المنافسات، تبدو تارانتو جاهزة لاستقبال العالم المتوسطي، وكتابة فصل جديد في حكاية بدأت قبل 75 عاماً على شواطئ الإسكندرية.
صفوان الهندي