الكرة للجدعان .. بتهرب يا جبان؟

تعلمنا أن الإنسان العاقل يعرف متى تكون المواجهة ومتى يقبل الحلول الوسط، لكننا اليوم أمام أحد الضعفاء الذي دائماً ما يختار الهرب عوضاً عن المواجهة، هو مدمن للهروب وعاشق لحل "الانسحاب" حتى التصقت به تلك الصفة وأصبحت عادة.

في أحيان كثيرة أسرح بذاكرتي - كأي إنسان طبيعي - وأعود للوراء لأتذكر كيف كنا أطفالاً نحب لعب كرة القدم، نتجمع ونتمتع ولا نضيع طاقتنا هباءً لنتسكع، لكننا في كل مرة نصطدم بهذا الطفل "السخيف" الذي كلما خسر يبكي ويصرخ "مش لاعب مش لاعب"!

وقد يكون هذا الطفل له من الأعذار ما يكفي للعفو عنه رغم أنه في كثير من المرات عندما ينسحب باكياً، كان يعكر مزاجنا ومتعتنا بعد أن تسبب في نقص العدد الذي لا يسمح بتقسيم اللاعبين إلى فريقين، لكننا بمرور الوقت تعلمنا ألا  ندعوه أساساً للعب ولا نعيره أي اهتمام، فهو ضعيف ونحن لن نتأثر بوجوده أو عدمه، فهو مجرد "كمالة عدد" لا أكثر.

وإذا كان هذا حال الطفل ذو العقلية التي لم تنضج بعد، مابالنا إذا جاء هذا التصرف من أشخاص وأباء لهم من الأبناء من هم في نفس سن هذا الضعيف معتاد "الانسحاب" ومدمن البكاء؟!

الطفل تخيل أنه حين يخسر ويقرر عدم اللعب وإكمال المباراة، سيتسبب في تخريب وقت الآخرين الممتع، فهذا التصرف بالنسبة له أقصى طموحاته، وهو أهم محاولته لإيقاف هؤلاء الذين يفوزون دوماً ولا يتركون له أي مجال لمجاراتهم دون أن يحاول مرة تلو الأخرى .. فالرغبة الحقيقية في المواجهة تأتي حينما نريد ذلك بشدّة .. مسكين هذا الضعيف!

ما شهدناه في الفترة القليلة الماضية من هروب جديد للطفل الذي استقل "الأوتوبيس" في إحدى حلقات "الانسحاب" المتكررة، ما هو إلا فصل جديد من قصة لا تستطيع الذاكرة أن تضع لها نهاية، حتى وإن حاول البعض بناء سدود من الشجاعة لهذا الطفل لمواجهة طوفان الخوف وكتابة كلمة النهاية السعيدة.

لذا، لا تتوقع عزيزي القاريء أن ترى أي جديد في هذه القصة لأن التاريخ لا يمكن محوه إلا إذا تبدل إلى النقيض تماماً، فليس كل ما تواجهه يمكن تغييره، ولكن لا تغيير بلا مواجهة، فالجبان يموت آلاف المرات، ولكن الشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة.

الأمر الوحيد الذي تبقى لهذا الضعيف في مواجهة تلك الهزائم التي أرهقته نفسياً وذهنياً هو محاولة فهمها ومعرفة أسبابها، فليس هناك سوى شيء واحد يجعل الحلم مستحيلاً ألا وهو الخوف من الفشل، فمهما كنت تملك السيارة الفارهة، والمنصب المرموق، والجاه والمال، إلا أنك مازلت تخاف من الخسارة، أو الإفلاس، أو العطش، أو الجوع، لذا فلا فرق بينك وبين الفقير الضعيف حتى وإن كنت من سكان "الزمالك".

وائل منتصر